الجصاص
44
أحكام القرآن
قال الله تعالى : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ) [ الفرقان : 67 ] ، وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا ) [ وقد يكون الإسراف في الأكل أن يأكل فوق الشبع حتى يؤديه إلى الضرر ، فذلك محرم أيضا . قوله تعالى : ( قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق ) . روي عن الحسن وقتادة : " أن العرب كانت تحرم السوائب والبحائر ، فأنزل الله تعالى ذلك " . وقال السدي : " وكانوا يحرمون في الإحرام أكل السمن والأدهان ، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردا لقولهم " ، وفيه تأكيد لما قدم إباحته في قوله : ( خذوا زينتكم عند كل مسجد ) الآية والطيبات من الرزق قيل فيه وجهان ، أحدهما : ما استطابه الانسان واستلذه من المأكول والمشروب ، وهو يقتضي إباحة سائر المأكول والمشروب إلا ما قامت دلالة تحريمه . والثاني : الحلال من الرزق . قوله تعالى : ( قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) . يعني أن الله تعالى أباحها وهي خالصة يوم القيامة لهم من شوائب التنغيص والتكدير . وقيل : هي خالصة لهم دون المشركين . وقوله تعالى : ( إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق ) . قال مجاهد : " الفواحش الزنا وهو الذي بطن ، والتعري في الطواف وهو الذي ظهر " . وقيل : القبائح كلها فواحش ، أجمل ذكرها بديا ثم فصل وجوهها فذكر أن منها الإثم والبغي والإشراك بالله ، والبغي هو طلب الترأس على الناس بالقهر والاستطالة عليهم بغير حق . وقوله : ( والإثم ) مع وصفه الخمر والميسر بأن فيهما إثم ، وقوله تعالى : ( يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ) [ البقرة : 219 ] يقتضي تحريم الخمر والميسر أيضا . قوله تعالى : ( ادعوا ربكم تضرعا وخفية ) . فيه الأمر بالإخفاء للدعاء . قال الحسن في هذه الآية : علمكم كيف تدعون ربكم ، وقال لعبد صالح رضي دعاءه : ( إذ نادى ربه نداء خفيا ) [ مريم : 3 ] . وروى مبارك عن الحسن قال : " كانوا يجتهدون في الدعاء ولا يسمع إلا همسا " . وروى أبو موسى الأشعري قال : كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم ، فسمعهم يرفعون أصواتهم فقال : " يا أيها الناس إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا " . وروى سعد بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " خير الذكر الخفي وخير الرزق ما يكفي " . وروى بكر بن خنيس عن ضرار عن أنس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " عمل البر كله نصف العبادة والدعاء نصف العبادة " . وروى سالم عن أبيه عن عمر قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رفع